"أزلية الكلمة ووحدة الجوهر" المعني اللغوي واللاهوتي لعبارة "الخالق الشريك"
"أزلية الكلمة ووحدة الجوهر"
المعني اللغوي واللاهوتي لعبارة "الخالق الشريك"
تُعد عبارة "الخالق الشريك مع الآب" (أو "الخالق مع الآب") من التعبيرات اللاهوتية العميقة والدقيقة التي تزخر بها الليتورجيا والصلوات الكنسية القديمة (مثل قداس القديس غريغوريوس الناطق بالإلهيات في صلاة الصلح). وتكمن أهمية إيضاح هذه العبارة في إزالة أي التباس قد يتبادر إلى الذهن للوهلة الأولى؛ فاللفظ لا يشير إطلاقاً إلى تعدد الآلهة أو وجود "شريك" خارجي منفصل عن الله، بل هو تعبير يهدف بالدرجة الأولى إلى تأكيد "وحدة الجوهر الإلهي" و"وحدة فعل الخلق" بين الأقانيم.
ولفهم كيف يتطابق هذا المفهوم مع الوحدانية في المسيحية، يجب تفكيك العبارة من الناحيتين اللغوية (الأصل والترجمة) واللاهوتية (المعنى والمفهوم).
أولاً: الأصل اللغوي والترجمة
الأصل اليوناني:
العبارة في أصلها اليوناني الكنسي تأتي تعبيراً عن كلمة "Co-creator" (باليونانية: Συνδημιουργός - سنديـمـيـورغوس).
المقطع «Συν» (Syn) يعني: "معاً" أو "مُشارك".
الكلمة «Δημιουργός» (Demiourgos) تعني: "الصانع" أو "الخالق".
وبذلك يكون المعنى الحرفي هو "الخالق معاً" أو "المشارك في فعل الخلق".
الترجمة العربية وكلمة "الشريك":
عند ترجمة النصوص اليونانية القديمة إلى العربية، استُخدمت كلمة "الشريك" كترجمة للمقطع التلازمي (Co / Syn)، للدلالة على أن فعل الخلق ليس حكراً على أقنوم واحد دون الآخر.
في المعاجم العربية (مثل لسان العرب) الشَّريك هو "المُشارِك"، أي مَن يشترك مع غيره في عمل ما، دون أن يعني ذلك بالضرورة الانفصال في الذات.
ثانياً: المعنى اللاهوتي (كيف يُفهم في الفكر المسيحي؟)
تثير كلمة "شريك" في الذهن العربي العام فكرة "الشِرك" (أي وجود إلهين منفصلين يتقاسمان العمل)، لكن في اللاهوت المسيحي، المعنى يؤكد على التوحيد في الجوهر
1. وحدة الجوهر الإلهي (الذات الواحدة)
في العقيدة المسيحية، الله واحد في الجوهر (الطبيعة الإلهية الواحدة)، وله ثلاثة أقانيم (الآب والابن والروح القدس).
الأقانيم الثلاثة ليسوا ثلاثة آلهة منفصلين، بل هم إله واحد.
بناءً على ذلك، فإن كل فعل يخص الجوهر الإلهي (مثل الخلق) هو فعل مشترك للثالوث معاً. لا ينفرد أقنوم بعمل بمعزل عن الآخرين.
2. كيف يشترك الابن (الكلمة) مع الآب في الخلق؟
العبارة تُقال هنا عن "الابن" (كلمة الله أو اللوجوس). يشرح الكتاب المقدس والآباء عملية الخلق بأنها تصدر "من الآب، بالابن (الكلمة)، في الروح القدس".
وجاء في إنجيل يوحنا عن الابن (الكلمة) «كُلُّ شَيْءٍ بِهِ كَانَ، وَبِغَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِمَّا كَانَ» (يوحنا 1: 3).
وجاء ايضا في الرسالة إلى العبرانيين «الَّذِي بِهِ أَيْضاً عَمِلَ الْعَالَمِينَ» (عبرانيين 1: 2).
إذن، الابن ليس "إلهاً خارجياً" يساعد الآب في الخلق، بل هو "عقل الله الناطق وكلمته الذاتي" فحينما يخلق الله بكلمته، فإن الكلمة هو "الخالق مع الآب" لأنهما واحد في الجوهر والقدرة والمشيئة.
العبارة لغوياً ولاهوتياً لا تعني "تعدد الآلهة"، بل تعني "وحدة العمل الإلهي". والمقصود بـ الخالق الشريك مع الآب هو الابن (كلمة الله) الذي اشترك مع الآب في فعل خلق الكون كله، لكونه صادر من نفس الجوهر الإلهي الواحد والوحيد.
مينا جورج "إيبوذياكون مارتيروس"
G.W.H. Lampe, A Patristic Greek Lexicon

تعليقات
إرسال تعليق