الرد علي... إشكالية التجسد في ميزان واجب الوجود "كيف يتحد الأزلي بالزمني دون تغيير؟"
الرد علي... إشكالية التجسد في ميزان واجب الوجود
"كيف يتحد الأزلي بالزمني دون تغيير؟"
عندما نتحدث عن "واجب الوجود" (الله)، فنحن نتحدث عن كائن كلي الكمال، بسيط غير مركّب، ومنزه عن التغيير.
الإشكالية التي يطرحها البعض هي "إذا كان الله قد تجسد في الزمان، فهذا حدث جديد، وما طرأ عليه الحادث فهو حادث (أي مخلوق)، فكيف يكون واجب الوجود متجسداً؟"
للرد على هذا الخلط، يجب توضيح الفوارق الجوهرية التالية
1. الفرق بين "التغيير" و"الاتحاد"
الحادث الذي يمنع على واجب الوجود هو "التغيير الذاتي" (Mutation)، أي أن تتحول ذاته من حال إلى حال، أو يكتسب كمالاً لم يكن عنده.
أما في التجسد:
* اللاهوت لم يتغير، لم ينقص، ولم يتحول إلى مادة.
* الاتحاد بالبشرية هو فعل إلهي "خارجي" بالنسبة للجوهر، بمعنى أن الطبيعة الإلهية بقيت كما هي في ملئها، لكنها اتحدت بطبيعة بشرية كاملة (اتخذ لنفسة جسدا خاص) "اتحاد اللاهوت بالناسوت كإتحاد النار بالحديد"؛ النار تجعل الحديد متوهجاً لكن النار تظل ناراً والحديد يظل حديداً، ولا تتغير طبيعة النار الكيميائية بهذا الاتحاد.
2. الفعل الزماني لا يقتضي حدوثاً في الذات
إذا اعتبرنا أن كل فعل يقوم به الله في الزمان هو "حادث" يغيره، لزم من ذلك أن يكون "الخلق" نفسه قد غيّر الله.
* هل عندما خلق الله العالم "استجدت" عليه صفة الخالق؟ بالطبع لا، هو خالق أزلاً والخليقة هي الحادثة.
* التجسد هو فعل إلهي تم في الزمان (ملء الزمان)، وهو إضافة "للمخلوق" لا "للخالق". الطبيعة البشرية هي التي نالت شرف الاتحاد، أما اللاهوت فظل منزهاً عن التغيير والانفعال والحدوث.
3. نسبية "الحوادث" (الفعل vs الانفعال)
يجب التمييز بين نوعين من الحوادث
* حادث انفعالي وهو ما يطرأ على الكائن فيغيره (مثل التعلم، النمو، المرض)؛ وهذا مستحيل على واجب الوجود.
* فعل إرادي وهو إعلان الله عن نفسه أو تدبيره تجاه خلقه (مثل الكلام الإلهي أو التجلي أو التجسد). هذا ليس "حادثاً" يطرأ على الله، بل هو "ظهور" لمشيئته الأزلية في نقطة معينة من الزمان.
4. كمال واجب الوجود في "الحرية" لا في "العجز"
البعض يتصور "تنزيه" واجب الوجود بأنه "عجزه" عن الظهور في خلقه، وهذا في الحقيقة تقييد وليس تنزيهاً.
* واجب الوجود هو كائن حي، مريد، وقادر. إذا اقتضت حكمته وصلاحه أن يتحد بالمادة ليخلصها، فإن قدرته على فعل ذلك دون أن يحصره المكان أو يغيره الزمان هي منتهى الكمال.
* التجسد ليس "انحصاراً" للاهوت داخل الجسد، بل هو "ظهور" اللاهوت في الجسد، فاللاهوت غير محدود ويملأ الكون حتى أثناء التجسد.
واجب الوجود لا تطرأ عليه الحوادث التي تعني (الاستحالة، التجزئة، أو التغيير في الجوهر)، لكنه ليس كائناً ساكناً معزولاً عن خلقه، بل هو فعال ومحب.
التجسد هو "اتحاد بغير تغيير"، حيث ظلت الطبيعة الإلهية واجبة الوجود وبسيطة ومنزهة، بينما أخذت ما هو لنا (الناسوت) لتعطينا ما هو لها (الحياة الأبدية)، دون أن تفقد ألوهيتها أو يطرأ عليها نقص.


تعليقات
إرسال تعليق