"إشكالية مخاطبة الذات الإلهية بين اللاهوت المسيحي والفكر الإسلامي دراسة تحليلية في نص القديس هيلاري اسقف بواتييه" ردا علي "معاذ عليان"




 "إشكالية مخاطبة الذات الإلهية بين اللاهوت المسيحي والفكر الإسلامي دراسة تحليلية في نص القديس هيلاري اسقف بواتييه"

"تظل الأمانة العلمية هي العتبة الأولى التي تفصل بين الباحث الجاد وبين المتصيد الباحث عن إيهام القارئ بأنصاف الحقائق. فالبحث في كنوز التراث الآبائي واللاهوت الدفاعي يتطلب ما هو أبعد من مجرد اقتناص عبارة أو التركيز على علامة ترقيم (كأقواس المترجم)؛ يتطلب قراءة فاحصة للنسق الفكري الكامل للكاتب.
في هذا المقال، نقف أمام نموذج حي لما نسميه 'النقد المبتور'، حيث حاول البعض الطعن في المفهوم المسيحي للوحدانية عبر قراءة سطحية لنصوص القديس هيلاريوس اسقف بواتييه (مطرقة الأريوسيين). سنفند هنا كيف أن الجهل بالسياق النصي واللاهوتي، بل والقصور في فهم البديهيات العقلية حول 'مناجاة الذات الإلهية' التي تجد صدى لها حتى في المدارس الفلسفية والدينية الأخرى قد أوقع هؤلاء في فخ التدليس العيني. لا نهدف هنا للدفاع عن العقيدة فحسب، بل لإرساء منهجية قويمة في التعامل مع النصوص التاريخية واللاهوتية."
"وسنعتمد في هذا الرد على ثلاثة محاور: النقد النصي المباشر للاقتباس، التحليل اللاهوتي لمفهوم الوحدانية الجامعة، والمقاربة الفلسفية المقارنة لمسألة الكلام الإلهي."
اولا
ادعى كاتب المنشور أن عبارة (الآب) و(الابن) التي بين أقواس هي من وضع المترجم فقط، محاولاً الإيحاء بأن القديس هيلاري اسقف بواتييه (المعروف بمطرقة الأريوسيين)، لم يقصد ذلك.
لو أكمل "المدلس" القراءة للسطر الذي يليه مباشرة (المشار إليه بالرقم 2 في الصورة)، لوجد النص يقول بوضوح تام: "الله (الآب) المتكلم، يتكلم مع الله (الابن)؛ الإنسان خُلق على صورة الآب والابن".
عبارة "على صورة الآب والابن" في السطر اللاحق وردت في صلب النص كحقيقة لاهوتية يبني عليها القديس حجته، وهي غير موضوعة بين أقواس في موضعها الثاني، مما يؤكد أن الإشارة في المرة الأولى كانت للتوضيح التفسيري الذي يتسق تماماً مع صلب النص الأصلي.
المترجم وضع الأقواس في المرة الأولى ليشير إلى "المتكلم" و"المخاطب" في جملة "نعمل الإنسان على صورتنا"، وهي بديهة لاهوتية عند القديس هيلاري وكل آباء الكنيسة، ولم يبتدعها المترجم من خياله.
ثانياً
القديس هيلاري في كتابه "عن الثالوث" يرد على الأريوسيين والسابليين (الذين يقولون إن الله أقنوم واحد فقط بأسماء مختلفة).
يقول القديس هيلاري "صيغة المتكلم للجمع لا تتوافق مع الانعزال".
عندما قال الله في سفر التكوين "نعمل الإنسان على صورتنا كشبهنا"، استخدم صيغة الجمع ولو كان الله "منفرداً" أو "منعزلاً" (أقنوماً واحداً فقط كما يدعي البعض)، لما صح لغوياً ولا لاهوتياً استخدام صيغة الجمع.
الوحدانية المسيحية هي وحدانية "جامعة" وليست "وحدانية مصمتة" تؤدي إلى العدمية قبل الخلق. الآب ليس وحيداً، بل هو في شركة حب أزلية مع ابنه وروحه القدس.
يؤكد القديس أن "الاثنين واحد في الاسم وواحد في الطبيعة" هذا هو لب العقيدة، الله واحد في الجوهر (Ομοούσιος - مساوٍ في الجوهر)، لكنه متمايز في الأقانيم.
المتكلم (الآب) يخاطب (الابن)، وهذا يثبت وجود "آخر" مساوٍ له في الذات، وليس إلهاً آخر (حاشا)، بل تميز أقنومي داخل الذات الإلهية الواحدة.
ثالثاً
المدلس يحاول السخرية من فكرة "الله يكلم الله"، وهي سخرية نابعة من جهل بـ "المناجاة الأزلية"
كتابياً في مزمور 1:110 يقول: "قال الرب لربي اجلس عن يميني". هنا نجد مخاطبة بين الأقانيم.
لاهوتياً لو كان الله أقنوماً واحداً قبل الخليقة، فمن كان يحب؟ (لأن الله محبة). المحبة تقتضي وجود "مُحب" و"محبوب". التثليث يحل معضلة الصفات الأزلية، بينما الوحدانية المصمتة تجعل الصفات (كالمحبة والكلام) حادثة ومرتبطة بالخلق فقط.
محاولة الكاتب الالتفاف على النص بتركيزه على "أقواس المترجم" وتجاهل السطر الذي يليها مباشرة هو إفلاس فكري. القديس هيلاري اسقف بواتييه (المعروف بمطرقة الأريوسيين)، في هذا النص ينسف فكرة "الله المنعزل" ويؤكد أن خلقة الإنسان على صورة "الآب والابن" هي الدليل على أن الله في جوهره شركة وحياة، وليس صمتاً وانعزالاً.
في الفكر الإسلامي، مسألة "كلام الله" لها أبعاد ايضا عميقة، وهناك نصوص وردت في القرآن والسنة تُصنف تحت باب "حديث النفس" أو "كلام الله مع نفسه" (أو لذاته)، وتُستخدم غالباً في سياقات التقدير الازلي إلهي.
أولاً: حديث النفس في الحديث القدسي (كتابة الكتاب)
هذا النوع من الكلام يسمى عند العلماء "الإلزام الذاتي"، حيث يوجب الله على نفسه أمراً تفضلاً منه ورحمة، ويخاطب بذاته ذاته العلية.
المثال الرئيسي: قول النبي «لَمَّا قَضَى اللَّهُ الْخَلْقَ، كَتَبَ عِنْدَهُ فَوْقَ عَرْشِهِ: إِنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي» (وفي رواية: غلبت).
الكتابة هنا ليست لتعريف الخلق فحسب، بل هي "قرار إلهي" (Decree) صدر من الله لذاته قبل أن يكون هناك ملك أو بشر ليقرأه. هو كلام وجّهه الله لنفسه ليكون دستوراً يحكم به علاقته بخلقه.
المرجع: صحيح البخاري، كتاب التوحيد، باب {وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ}. وصحيح مسلم، كتاب التوبة.
يُعرف هذا في شروح الحديث بأنه "كتابة تقدير" ألزمه الله نفسه.
يقول الحافظ ابن حجر في فتح الباري: "المراد بالكتابة هنا أمر الله وتحديده لمقتضى صفاته".
الرابط: صحيح البخاري - حديث: لما قضى الله الخلق كتب في كتابه https://sunnah.com/bukhari:7404?hl=ar-EG
مثال آخر في الحديث القدسي «يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي».
هذا التحريم نطق به الله وألزم به نفسه قبل أن يخلق المظلومين؛ فهو حديث مع الذات بوضع تشريع إلهي للذات الإلهية.

ثانياً: إثبات "النفس" لله في القرآن (العلم والمناجاة)
القرآن صريح في إثبات "النفس" لله، وهي تدل على الذات المتصفة بخصائص الكلام والإرادة.
علم الله بما في نفسه: {تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ} [المائدة: 116]. هنا إثبات أن لله "نفسًا" لها شأن لا يطلع عليه إلا هو، ومن ذلك كلامه لنفسه الذي لم يُطلِع عليه أحداً.
وذكر الإمام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (المجلد السادس) أن "النفس" المضافة إلى الله تعني ذاته المتصفة بما يليق بها، وأن قوله {تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ} دليل على اختصاص الله بعلم غيبه وكلامه الذي لم يبده لأحد.
كتب على نفسه الرحمة: {كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ} [الأنعام: 54]. الفعل "كتب" هنا يتضمن القول والقرار الذاتي.
المرجع: تفسير القرآن العظيم (ابن كثير) لسورة المائدة آية 116، وسورة الأنعام آية 54.
الروابط:
تفسير ابن كثير - سورة المائدة تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ}
تفسير ابن كثير - سورة الأنعام (كتب ربكم على نفسه الرحمة)

ثالثاً: مناجاة الله لنفسه (الثناء والتمجيد)
الله عز وجل هو الوحيد الذي يستطيع أن يثني على نفسه كما يستحق، لأن الخلق مهما بلغوا لا يحيطون به علماً.
في الحديث النبوي: كان النبي يقول في سجوده: «لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ».
"أثنيت على نفسك" تعني أن هناك كلاماً ووصفاً وتمجيداً قاله الله في حق ذاته، وهو كلام لا يحيط به إلا هو. هذا أسمى صور حديث الذات للذات.
ثناء الله على نفسه في القرآن: كل آية تبدأ بـ {الْحَمْدُ لِلَّهِ} هي ثناء من الله على نفسه. الله يخبرنا كيف نحمده، ولكنه في الأصل "حَمِدَ نفسه" أزلاً قبل أن يوجد الحامدون.
مناجاة الشفاعة: كما ذكرتَ في حديث الشفاعة، الله يفتح على النبي بمحامد، لكن قبل ذلك، الله هو "المجيد" الذي يمجد نفسه بذاته.

رابعاً: الرد العقلي على "كيف يكلم الله نفسه؟"
الاعتراض العقلي القائل "كيف يكلم الله نفسه؟ أليس الكلام يقتضي طرفين؟" مردود عليه بعدة أوجه.
كمال الذات: البشر (وهم مخلوقون) يمارسون "التفكير" وهو في الحقيقة حديث نفس وصراع أفكار داخل الذات الواحدة.
فإذا كان المخلوق يكلم نفسه ليرتب أفكاره، فالله (ولله المثل الأعلى) يتكلم متى شاء بما شاء، وكلامه لنفسه هو كمال علم وإرادة.
الفرق بين "الإبلاغ" و"الصفة": الكلام له وظيفتان: (إبلاغ الغير) و(التعبير عن الذات). الله لا يحتاج لأحد ليبلغة، لكنه "متكلم" كصفة ذاتية، وثناؤه على نفسه هو غاية الجلال والجمال.
الكلام عند أهل السنة صفة ذات وفعل؛ فالله يتكلم بمشيئته متى شاء. حديث النفس (الكلام النفسي) عند الأشاعرة والماتريدية هو "المعنى القائم بالذات"، بينما عند السلف هو كلام حقيقي يسمعه من يشاء من خلقه، ومنه ما هو ثناء من الله على نفسه.
المرجع: كتاب الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة لابن القيم، وكتاب شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز الحنفي.
رابط مرجعي (شرح صفة الكلام): الدرر السنية - الموسوعة العقدية - صفة الكلام
في النهاية اخي القارئ إذا كنت ترفض فكرة "الله يكلم الله" من باب العقل، فعليك أن تفسر كيف كتب الله كتاباً عنده فوق العرش يقول فيه لنفسه "إن رحمتي سبقت غضبي"؟ أليس هذا كلاماً موجهاً من الذات للذات؟
الفرق هنا أن المسيحية ترى هذا الكلام (بين الآب والابن) هو دليل "شركة الحب الأزلية"، بينما يراه الإسلام "صفة كمال" للذات الإلهية المنفردة. لكن في كلتا الحالتين، فكرة أن الله يتكلم أو يخاطب ذاته/نفسه هي فكرة مقبولة لاهوتياً وليست كما ادعى صاحب المنشور.
مينا جورج "إيبوذياكون مارتيروس"























تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الرد اللاهوتي والتاريخي والآبائي على تشكيك يوسف رياض في القداس الإلهي

هروب الإرهابي المدعو الشيخ ابو اسلام عبدالله من استكمال الحوار بالبلوك من الصفحة الشخصية

مقارنة الأديان بحثٌ عن الحقيقة.. لا عرضٌ مسرحي!