«تفكيك مغالطة الإسقاط المادي على مفهوم "العائلة الإلهية"» ردا علي "كرم عثمان"
«تفكيك مغالطة الإسقاط المادي على مفهوم "العائلة الإلهية"»
عندما يقارب البعض العقيدة المسيحية بمنطق "اجتزاء النصوص" أو "القياس البشري المادي"، فإنه يقع في فخ التدليس المنهجي؛ وهو محاولة إسقاط مفاهيم حسية وبيولوجية على ذات الله المنزهة عن المادة. إن استخدام مصطلح "العائلة الإلهية" في الأدبيات المسيحية كما نراه في كتابات الآباء والعلماء مثل القديس غريغوريوس النيصي أو الأب بولس الفغالي ليس إقراراً بتناسل أو تركيب جسدي (حاشا لله)، بل هو تعبير مجازي عن "وحدانية الحب".
إن المغالطة التي يسوقها البعض تعتمد على "الاشتراك اللفظي"؛ حيث يأخذون كلمة "عائلة" ويحملونها بكل موروثات البشر من "تزاوج وتناسل واحتياج"، بينما النص المسيحي يستخدمها لوصف "الشركة الروحية" بين الأقانيم داخل الجوهر الواحد. فالله في المسيحية ليس "وحدانية صمت" أو "وحدانية عزلة"، بل هو "إله حي" في ذاته حركة حب أزلية.
هذا التدليس لا يهدف لفهم العقيدة، بل لمحاربة "خيال" لا وجود له في الإيمان المسيحي. فالمسيحية التي تؤمن بأن "الله روح" "اَللهُ رُوحٌ. وَالَّذِينَ يَسْجُدُونَ لَهُ فَبِالرُّوحِ وَالْحَقِّ يَنْبَغِي أَنْ يَسْجُدُوا»." (يو 4: 24).
يستحيل أن تنسب له عائلة بالمعنى الجسدي. لذا، فإن كشف هذا الزيف يبدأ من استعادة المصطلح لبيئته الروحية, العائلة هنا هي "أيقونة المحبة الأزلية" التي دُعينا نحن البشر لنشترك فيها بالتبني الروحي، لا بالتناسل المادي.
أولاً: كشف المغالطة (مغالطة "الاشتراك اللفظي")
المهاجم يقع في مغالطة منطقية تسمى "الاشتراك اللفظي"فهو يأخذ كلمة "عائلة" ويفسرها بمنظوره البشري (أب + أم + تناسل)، بينما الصفحات المرفقة توضح أن المصطلح يُستخدم لوصف "طبيعة العلاقة الجوهرية" داخل الذات الإلهية، وليس تكويناً أسرياً بشرياً.
ثانياً: التوضيح من واقع الصور (الرد بالأدلة)
1. المفهوم ليس "كيان منفصل" بل "وحدة حب" (من كتاب القديس غريغوريوس النيصي) في الصفحة (32) التي أرفقها المعترض، يقول النص بوضوح
"أساس نظرة يسوع إلى الله هو ليس واحداً، قاببعاً في أعلى سمائه، بل هو عيلة يسيطر عليها الحب بين الآب والابن والروح القدس."
والمقصود هنا أن الله ليس "أقنوماً صامتاً" أو "وحدة مطلقة جامدة"، بل هو "وحدة تفاعلية". "العيلة" هنا تعني حركة الحب المتبادل بين الأقانيم. الله في ذاته حب، ولكي يكون حباً، لا بد من وجود "مُحب ومحبوب وروح حب"، وهذا ما نسميه "عيلة" مجازياً لوصف الشركة الكاملة.
2. دخول البشر في هذه العائلة (من كتاب الأب روبير كليمان)
في نص "إيماننا بين العقيدة والعمل"، يوضح الكاتب "صار الكلمة بشراً... ليمجدها في جسده، ويرقيها ويدخلها في العائلة الإلهية. الآب والابن والروح القدس."
فالو كانت "عائلة" بالمعنى البيولوجي، لما استطاع البشر (المؤمنون) الدخول فيها. الاستخدام هنا يعني "التبني الروحي". نحن نصبح أعضاء في هذه العائلة بالنعمة، مما يؤكد أن المصطلح "علاقة روحية" وليس "تكوين جسدي".
3. العضوية الروحية (من قاموس الكتاب المقدس - المجلد الأول):
في صفحة (135) تحت بند "ابن الله"، يقول النص "يُسمى المؤمنون أبناء الله... وذلك لأنهم أعضاء في عائلة الله الروحية."
هذا النص ينسف فكرة "التناسل". فالمؤمن يصبح ابناً لله "روحياً". فإذا كان المؤمنون "عائلة"، فمن البديهي أن المصدر (الأقانيم) يُسمى عائلة من باب وحدة الجوهر والمحبة.
المسيحية لا تؤمن بصاحبة ولا ولد (بالمعنى الجسدي)، والصور التي تهاجمها تقول في صفحات أخرى أن الله "روح" و"بسيط" وغير مركب.
المصطلح لشرح "الشركة" نحن نستخدم كلمة "عيلة" لنشرح أن الله في وحدانيته ليس "منعزلاً"، بل فيه "حياة" و"نطق" و"حب".
"العيلة" في الفكر الآبائي (كما في صورة كتاب القديس غريغوريوس النيصي) هي مرادف لـ "وحدة الإرادة والقوة والجوهر"، حيث يسود الحب.
هل "يد الله" أو "عين الله" في النصوص الدينية تعني أعضاء جسدية؟ بالطبع "لا، هي تعبير عن القوة أو العلم". وكذلك "عائلة الله" هي تعبير عن "شركة الحب الإلهي".
ايضا نجد تعبير" للخوري بولس الفغالي، حيث يؤكد أن المسيحيين يؤمنون بإله واحد في ثلاثة أقانيم، وأن "العيلة" هي القلب الذي يجمع هذه الأقانيم في وحدة تامة.
إن محاولة اختزال "سر الشركة الإلهية" في قوالب بيولوجية بشرية هي سقطة معرفية قبل أن تكون سقطة إيمانية. فالمسيحية حين تتحدث عن "العائلة الإلهية"، إنما ترفع عقل الإنسان من وحل المادة إلى سماء الروح؛ لتؤكد أن الله في وحدانيته ليس جوهراً جامداً أو كياناً موحشاً، بل هو "حب أزلي" يفيض بين الآب والابن والروح القدس.
المهاجم يبني "رجل قش" (صنم في خياله) ويهاجمه، وليس الإيمان الحقيقي.
إن كشف المغالطة يكمن في إدراك أن "عائلة الله" هي عائلة بالمعنى الروحي والوحداني، حيث لا يوجد "قبل" أو "بعد"، ولا يوجد "انفصال" أو "تناسل". ومن يدعي غير ذلك، فهو لا يهاجم العقيدة المسيحية، بل يهاجم "صنماً" من صنع خياله هو، أسقطه على نصوصنا ليحاكمها بمنطقه المادي المحدود.
لقد صار "الكلمة" بشراً ليدعونا إلى هذه العائلة، لا لنصير آلهة معه، بل لنشترك في طبيعة الحب الإلهي. فالله الذي هو "عيلة حب" يدعو كل إنسان ليخرج من عزلة ذاته ويدخل في شركة المحبة. وبناءً عليه، يظل المصطلح الآبائي "عيلة" هو الأصدق تعبيراً عن إله هو في جوهره "علاقة حب"، وليس مجرد "رقم حسابي" في معادلة الوجود.
"اَللهُ رُوحٌ. وَالَّذِينَ يَسْجُدُونَ لَهُ فَبِالرُّوحِ وَالْحَقِّ يَنْبَغِي أَنْ يَسْجُدُوا»." (يو 4: 24).



تعليقات
إرسال تعليق