مغالطة الاستشهاد بالغنوصية حين يرتد الدليل على المستدل عن قصة نفي الصلب والشبية بين الاسلام والغنوصية
مغالطة الاستشهاد بالغنوصية حين يرتد الدليل على المستدل
يقع الكثيرون في فخ التشابه الظاهري عند استدعاء النصوص الغنوصية أو ما يُعرف بالأناجيل المنحولة لمحاولة إثبات فكرة شبه لهم أو نفي وقوع الصلب تاريخياً. ورغم أن ظاهر النص الغنوصي قد يبدو للبعض مؤيداً للطرح الغير مسيحي في نفي الصلب، إلا أن نظرة فاحصة لعمق الفلسفة الغنوصية تكشف أن هذا الاستشهاد يمثل انتحاراً منطقياً لكل من يؤمن بالتوحيد الإبراهيمي وبشرية الأنبياء. وهذا التناقض ينبع من أن الغنوصية لا تنفي الصلب تكريماً للمسيح بل تنفيه لأنها لا تؤمن بوجود جسد حقيقي له من الأساس فالمستدل بها يثبت نفي الصلب لكنه يثبت معه ألوهية مطلقة تنفي الطبيعة البشرية تماماً.
ماهية الغنوصية...... باطنية مارقة لا توحيد إبراهيمي
الغنوصية ليست مجرد مذهب مسيحي قديم، بل هي حركة باطنية مزجت بين الفلسفات الأفلاطونية والديانات السرية. الغنوصي لا يؤمن بـ بشرية المسيح كما يؤمن غير المسيحي، بل يعتبر الجسد المادي شراً مطلقاً وقيداً للروح النورانية. فالكون المادي في نظرهم هو سجن مظلم قامت بخلقه قوة أدنى من الإله الأسمى ولذلك فإن الخلاص لديهم ليس بالإيمان والعمل الصالح بل بالمعرفة السرية التي تحرر الروح من دنس المادة وتعود بها إلى عالم النور البعيد.
وللتفصيل أكثر في اساسيات الفكر الغنوصي نعطي نبذه مختصره:
تُعد الغنوصية (Gnosticism) من أكثر التيارات الفكرية والروحية تعقيداً في التاريخ القديم، وهي تعتمد بشكل أساسي على رؤية ثنائية للوجود وتراتبية سماوية دقيقة.
1. الثنائية: إله الخير وإله الشر
الغنوصيون لا يؤمنون بـ "إلهين" متساويين في القوة، بل يؤمنون بوجود هوة سحيقة بين عالمين:
* الإله السامي (المنبسط): هو إله الخير المحض، وهو كائن روحي مطلق، غير معروف، وبعيد تماماً عن المادة. يُسمى أحياناً "الآب غير المولود" أو "الموناد" (الواحد).
* الصانع (دي ميورج - Demiurge): هو كيان أدنى مرتبة، وغالباً ما يُصور في النصوص الغنوصية (مثل نصوص نجع حمادي) على أنه جاهل أو شرير. يعتقد الغنوصيون أن هذا "الصانع" هو الذي خلق العالم المادي وحبس الأرواح في الأجساد، ولذلك يعتبرون المادة شراً بطبيعتها.
2. الملأ الأعلى (Pleroma): مجمع الآلهة
بدلاً من مصطلح "مجمع آلهة" بالمعنى الوثني التقليدي (مثل مجمع آلهة الأوليمب)، يستخدم الغنوصيون مصطلح "البليروما" (Pleroma)، وتعني "الملأ" أو "الامتلاء".
* الانبثاقات (Aeons): يعتقدون أن الإله السامي لا يخلق مباشرة، بل تنبثق عنه كائنات روحية تسمى "أيونات" (Aeons).
* هذه الأيونات تأتي عادة في أزواج (ذكر وأنثى) وتُشكل معاً "الملأ الأعلى" وهو العالم الروحي النوراني.
* سوفيا (الحكمة): هي آخر هذه الأيونات في التراتبية، وبحسب الأسطورة الغنوصية، أدى خطأ أو سقطة من "سوفيا" إلى ظهور "الصانع" ومن ثم خلق العالم المادي المظلم.
خلاصة الاعتقاد
الكون في المنظور الغنوصي هو ساحة صراع بين النور (الذي يمثله الإله السامي والبليروما) وبين الظلمة (التي يمثلها الصانع وعالمه المادي). والخلاص بالنسبة لهم ليس بالإيمان التقليدي أو الأعمال، بل بـ "الغنوص" (المعرفة الكشفية) التي تحرر الشرارة الإلهية المحبوسة داخل الإنسان لتعود إلى مصدرها في الملأ الأعلي.
ومن أهم الاقتباسات عن سجن الأرواح في الأجساد
الاقتباس:
ثم ذهبتُ للمرة الثالثة ... أنا النور الذي في النور، أنا ذكرى البرونيا - لأدخل إلى وسط الظلام وداخل الهاوية. وملأتُ وجهي بنور اكتمال دهرهم. ودخلتُ إلى سجنهم، وهو سجن الجسد. وقلتُ: من يسمع فليقم من سباته العميق. فبكى وذرف الدموع. مسح دموعًا مُرّة وقال: من ينادي باسمي، ومن أين أتى إليّ هذا الأمل، وأنا في قيود السجن؟ وقلتُ: أنا برونيا النور الخالص، أنا فكر الروح العذراء التي رفعتك إلى هذا المقام المرموق. انهض وتذكر أنك أنت من أصغى، واتبع أصلك، وهو أنا الرحيم، واحذر ملائكة الفقر وشياطين الفوضى وكل من يوقعك في شباكه، واحذر من السبات العميق وسجن جوف الهاوية.
Still for a third time I went - I am the light which exists in the light, I am the remembrance of the Pronoia - that I might enter into the midst of darkness and the inside of Hades. And I filled my face with the light of the completion of their aeon. And I entered into the midst of their prison, which is the prison of the body. And I said, 'He who hears, let him get up from the deep sleep.' And he wept and shed tears. Bitter tears he wiped from himself and he said, 'Who is it that calls my name, and from where has this hope come to me, while I am in the chains of the prison?' And I said, 'I am the Pronoia of the pure light; I am the thinking of the virginal Spirit, who raised you up to the honored place. Arise and remember that it is you who hearkened, and follow your root, which is I, the merciful one, and guard yourself against the angels of poverty and the demons of chaos and all those who ensnare you, and beware of the deep sleep and the enclosure of the inside of Hades.
المصدر: The Apocryphon of John - Gnosis Archive (مخطوطات نجع حمادي).
عقيدة الظهور الخيالي...... الدوسيتية لاهوت مفرط لا بشرية
يستشهد البعض بكتب غنوصية تقول إن المسيح كان يضحك فوق الصليب. لكن السبب هو إيمانهم بأن جسد المسيح كان هولوجرام أو خيالاً طيفياً Docetism، لأنه كإله سامٍ مستحيل أن يتجسد في لحم ودم. وهذه العقيدة ترى أن المسيح لم يجع ولم يعطش ولم يتألم حقيقة لأن اللاهوت لا يمتزج بالمادة القذرة فضحك المسيح هنا ليس نجاة لرجل صالح بل هو سخرية من المادة ومن الذين ظنوا أنهم استطاعوا الإمساك بإله نوراني لا يحصره جسد.
الاقتباس:
ولما قال ذلك، رأيته كأنهم قد استولوا عليه. فقلت: ماذا أرى يا رب؟ أهو أنت الذي يأخذونك، وأنت تمسك بي؟ أم من هذا الذي يفرح ويضحك على الشجرة؟ أهو آخر يضربون يديه وقدميه؟
And I saw someone about to approach us resembling him, even him who was laughing on the tree. And he was filled with a Holy Spirit, and he is the Savior. And there was a great, ineffable light around them, and the multitude of ineffable and invisible angels blessing them. And when I looked at him, the one who gives praise was revealed.
المصدر:
The Gnostic Apocalypse of Peter - Gnosis http://www.gnosis.org/naghamm/apopet.html
إهانة الخالق..... النقطة التي يتجاهلها المستشهدون
أخطر ما في الغنوصية هو اعتقادهم بأن خالق العالم إله العهد القديم هو إله شرير أو جاهل Demiurge، وأن المسيح جاء لينقذنا من قبضته! فالمستشهد بهذه النصوص يتبنى دون قصد فلسفة تقدح في الذات الإلهية وتعتبر أن الله الذي خلق السماوات والأرض هو كائن أدنى تسبب في شقاء البشرية بحبس الأرواح في أجساد طينية وهذا يصطدم مباشرة مع جوهر الدين الذي يعظم الخالق ويعتبر الخلق آية من آياته.
الأناجيل المنحولة..... معيار التواتر مقابل الأساطير
الأناجيل الغنوصية تفتقر لأبسط قواعد التوثيق التاريخي، وهي في ميزان النقد العلمي تشبه الأحاديث الموضوعة التي لا سند لها ولا أصل فهي كتبت بعد عقود طويلة من الأحداث وضمت خيالات فلسفية معقدة بعيدة كل البعد عن الواقعية التاريخية للبساطة التي عاش بها المسيح وتلاميذه مما يجعلها مجرد أدب فلسفي متأخر وليست شهادات تاريخية يعتد بها.
فالقديس إيريناوس في كتابه ضد الهرطقات سنة 180م، وصف إنجيل يهوذا بأنه قصة مخترعة.
إنجيل يهوذا وتدنيس مفهوم النبوة
في إنجيل يهوذا، يظهر المسيح وهو يضحك من جهل التلاميذ الحواريين لأنهم يصلون للإله الخالق الله، ويخبر يهوذا أنه سيتفوق عليهم جميعاً لأنه سيساعد المسيح على التخلص من جسده المادي. هذا النص يقلب موازين النبوة تماماً فالحواريون هنا ضالون لأنهم يعبدون الخالق ويهوذا هو البطل لأنه يساعد في قتل الجسد لتحرير الروح وهذا التصور يهدم مفهوم النبوة والاتباع القائم على الوحي الإلهي الواحد.
الصدام مع التوحيد
إن الاستشهاد بالغنوصية هو استشهاد بـ مشركين بمقاييس التوحيد الإبراهيمي الصارم الذي يرفض تعدد الآلهة أو تقسيم الذات الإلهية إلى مراتب نورانية ومادية.
في الغنوصية:
يؤمنون بـ البليروما Pleroma وهي مجمع من الآلهة الدهور النورانية.
ردود آباء الكنيسة الأوائل الصخرة التي تحطمت عليها الغنوصية
واجه آباء الكنيسة الأوائل الفكر الغنوصي بصرامة لأنهم أدركوا أن نفي حقيقة الجسد والصلب يهدم فكرة الفداء والواقع التاريخي للمسيح. فنجد القديس إغناطيوس الأنطاكي في رسائله المبكرة جداً يشدد على أن المسيح تألم حقاً وقام حقاً وليس خيالاً كما يزعم الغنوصيون المنحلون. وكذلك فعل العلامة ترتليان في كتابه ضد ماركيون حيث فضح التناقض المنطقي في فصل الإله الخالق عن الإله المخلص مؤكداً أن الله واحد وهو خالق المادة ومقدسها. هؤلاء الآباء استندوا إلى تسلسل الرسل المتواتر ليؤكدوا أن الغنوصية هي اختراع فلسفي غريب عن التعليم الأصلي الذي تسلمه التلاميذ مباشرة.
يا باحث الحقيقة، إن نفي الصلب في الإسلام هدفه تكريم النبي ونجاته كما يقولون أما في الغنوصية فهدفه إثبات الطبيعه المفرطة للمسيح واحتقار الخالق الشرير. أنت كمن يستشهد بخصمٍ يُكذّب أصل عقيدتك ليثبت فرعاً ظاهرياً. الحق لا يحتاج لباطل ليدعمه بل إن الاستناد إلى هذه النصوص يفتح باباً للطعن في كمال الله وحكمته في الخلق وهو ما لا يرتضيه أي موحد.




تعليقات
إرسال تعليق