الرد على التباين الظاهري في توقيت الصلب بين إنجيلي مرقس ويوحنا


 الرد على التباين الظاهري في توقيت الصلب بين إنجيلي مرقس ويوحنا

يستند طارح الشبهة في هذا السياق إلى مدرسة النقد التاريخي التي تسعى لتصيد التناقضات الظاهرية بين نصوص الأناجيل، بهدف زعزعة الثقة في الوحي الكتابي والمصداقية التاريخية للعهد الجديد. ويتم التركيز هنا على التباين في ذكر الساعات بين إنجيلي مرقس ويوحنا كدليل مزعوم على وقوع تضارب تاريخي. ويهدف هذا الرد إلى تفنيد هذه الشبهة عبر أدوات النقد النصي، والتحليل اللغوي، وفهم طبيعة الثقافة الزمنية في العصور القديمة، لإثبات أن النصوص لا تتصادم بل تتكامل لتقديم مشهد شامل للحدث.
السؤال
ذكر إنجيل مرقس أن عملية الصلب تمت في الساعة الثالثة (9 صباحاً)، بينما ذكر إنجيل يوحنا أن السيد المسيح كان لا يزال في المحاكمة أمام بيلاطس نحو الساعة السادسة (12 ظهراً).
هذا الاختلاف يطرح تساؤلاً جوهرياً:
1. هل استخدم يوحنا توقيتاً مختلفاً (رومانياً) كما يرى ويليام باركلي William Barclay؟
2. أم أن هناك تضارباً تاريخياً يصعب حله كما أشار ريموند براون Raymond Brown؟
3. وكيف يمكن التوفيق بين النصين في ظل رفض باحثين مثل دونالد آرثر كارسون D. A. Carson لفرضية التوقيت الروماني؟
الرد
1. المحور اللغوي ومرونة اللفظ نحو ὡς (Hos)
يجب الانتباه إلى أن يوحنا لم يقل كانت الساعة السادسة بدقة، بل استخدم اللفظ اليوناني ὡς (ينطق بالإنجليزية: Hos) والذي يعني تقريباً أو نحو.
تحليل المصطلح:
المصطلح اليوناني ὡς يستخدم كظرف للتقريب الكمي أو الزمني، مما يشير إلى أن الكاتب لا يقصد تحديد لحظة دقيقة بالدقيقة والثانية، بل يضع إطاراً زمنياً تقريبياً.
المرجع:
Strong's Greek Lexicon, G5613.
في العالم القديم، حيث لم تكن هناك ساعات دقيقة، كان الناس يشيرون إلى الوقت بأقرب ربع يوم (الثالثة، السادسة، التاسعة).
قول يوحنا نحو السادسة يعني أن الوقت كان قد تجاوز منتصف المسافة بين التاسعة صباحاً والظهر.
2. المحور التاريخي وطبيعة تقسيم الساعات (التوقيت اليهودي واليوناني)
على عكس ما اعتقده ويليام باركلي William Barclay قديماً، فإن معظم الأبحاث الحديثة مثل دراسات دونالد آرثر كارسون D. A. Carson ودانيال والاس Daniel Wallace تؤكد أن يوحنا ومرقس استخدما ذات النظام الزمني، ولكن الفارق يكمن في زاوية الرصد.
إنجيل مرقس (الساعة الثالثة):
رصد بداية الإجراءات التنفيذية للصلب (الخروج من دار الولاية، جلد المسيح، الطريق للجلجثة).
إنجيل يوحنا (نحو السادسة):
رصد لحظة النطق بالحكم النهائي Iudicium.
التوافق:
إذا بدأت الإجراءات في التاسعة صباحاً (مرقس)، واستمرت المحاكمة والجلد والموكب الجنائزي حتى شارفت الشمس على التوسط في السماء (يوحنا)، فلا يوجد أي تعارض؛ بل هو وصف متسلسل لحدث ممتد.
3. المحور اللاهوتي ليوحنا وخروف الفصح πάσχα (Pascha)
يوحنا كاتب ثيولوجي θεολόγος (Theologos) بامتياز، واختياره لذكر نحو الساعة السادسة له مغزى أعمق من مجرد التوقيت
الساعة السادسة في يوم الاستعداد للفصح πάσχα (ينطق بالإنجليزية: Pascha) هي الساعة التي يبدأ فيها الكهنة في الهيكل بـ ذبح خراف الفصح.
المرجع:
Bauer's Greek-English Lexicon of the New Testament (BDAG).
أراد يوحنا أن يبرز أن حمل الله يُساق للذبح في نفس اللحظة التي تُذبح فيها الخراف الرمزية، ليعلن انتهاء عهد الخراف الحيوانية وبدء عهد الذبيحة الحقيقية.
4. الرد على صعوبة التوفيق (رداً على ريموند براون Raymond Brown)
عندما وصف ريموند براون الإشكالية بأنها من أصعب الاختلافات، كان يتحدث من منظور النقد التاريخي المتطرف الذي يفترض ضرورة وجود دقة رقمية في نصوص كُتبت قبل ألفي عام.
الاختلاف بين مرقس ويوحنا ليس تضارباً يسقط المصداقية، بل هو اختلاف في التقريب الزمني والهدف اللاهوتي:
مرقس: سجل بداية الرحلة (9 صباحاً).
يوحنا: سجل لحظة ذروة الشهادة قبل الصلب (نحو الظهر) ليربط بين المسيح وفصح العهد القديم.
هذا الرد يجمع بين احترام آراء العلماء المذكورين مع تقديم الحل الأحدث الذي يتجاوز مجرد القول بوجود توقيت روماني (وهي فرضية ضعيفة تاريخياً كما ذكر دونالد آرثر كارسون D. A. Carson).
مينا جورج "إيبوذياكون مارتيروس"





تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الرد اللاهوتي والتاريخي والآبائي على تشكيك يوسف رياض في القداس الإلهي

هروب الإرهابي المدعو الشيخ ابو اسلام عبدالله من استكمال الحوار بالبلوك من الصفحة الشخصية

مقارنة الأديان بحثٌ عن الحقيقة.. لا عرضٌ مسرحي!