الكنيسة القبطية الأرثوذكسية وشهادة الألم والصمود
"في العالم سيكون لكم ضيق، ولكن ثقوا: أنا قد غلبتُ العالم" (يو 16: 33)
منذ فجر المسيحية، حملت الكنيسة القبطية الأرثوذكسية صليب الألم، لا كعقوبة، بل كشهادة حية للحق، وقوة للمجد الإلهي.
ومع بداية الألفية الثالثة، لم تكن الكنيسة بعيدة عن لهيب الاضطهاد، إذ واجهت موجات من الأعمال الإرهابية الغاشمة التي حاولت أن تهدم الجدران، وتُخيف القلوب، ولكنها كشفت عن عظمة كنيسة صامدة، مترسخة في صخر المسيح.
✥ بعض من الأعمال الإرهابية في التاريخ المعاصر ✥
1. كنيسة القديسَين بالإسكندرية (ليلة رأس السنة 2011)
انفجار مدوٍ هز الإسكندرية في الساعات الأولى من العام الجديد. دماء المصلين اختلطت بدموع الرهبان، وسقط أكثر من 21 شهيداً، في مشهد صار رمزاً لمذبحة طقسية، جُرح فيها الجسد ولكنه لم يُكسر الروح.
2. تفجيرات أحد الشعانين (9 أبريل 2017)
كنيسة مارجرجس – طنطا: انفجار وسط المصلين أثناء التسبحة، راح ضحيته أكثر من 28 شهيدًا وعشرات الجرحى.
الكنيسة المرقسية – الإسكندرية: استُهدف البابا تواضروس الثاني شخصياً، ولكن الرب نجّاه، واستُشهد 17 من أبناء الكنيسة، ومن بينهم ضباط شرطة مسلمين كانوا يحمون البابا.
3. الاعتداء على دير الأنبا صموئيل المعترف (مايو 2017 و نوفمبر 2018)
في طريق صحراوي، خرج الأقباط في رحلة إيمان، ليُقابلهم وابل من الرصاص. استُشهد العشرات في هجمتين إرهابيتين غادرتين، والكنيسة ودّعت شهداءها بالتسبيح، لا بالثأر.
4. حرق الكنائس عقب فض اعتصام رابعة (أغسطس 2013)
أكثر من 80 كنيسة ومنشأة قبطية تم حرقها أو نهبها في مشهد كارثي، لم تقابله الكنيسة سوى بالصمت والصلاة. لم تخرج كلمة كراهية واحده من اي مسؤول كنسي.
✥ كيف واجهت الكنيسة هذه المحن؟ ✥
✥ بالصلاة والصوم:
لم تلجأ الكنيسة إلى سلاح أرضي، بل تمسكت بسلاح الروح. القداسات استمرت، والتمجيد للشهداء صار أنشودة وطنية، والتسبيح صار أقوى من أصوات التفجيرات.
✥ برعاية المتألمين:
قدمت الكنيسة الدعم المادي والمعنوي لأسر الشهداء والمصابين.فتحت أبوابها للعزاء، ولكنها أيضًا فتحت قلبها لاحتواء النفوس المتألمة.
✥ بمحبة الجميع:
الكنيسة لم تميز بين مسلم ومسيحي، بل اعتبرت كل من يحيا في هذا الوطن هو ابنها. كثير من الشهداء كانوا ضباطًا أو جنودًا مسلمين، وكرّمتهم الكنيسة بمحبة خالصة.
✥ بالثبات على العقيدة:
رغم كل الضيقات، لم تتنازل الكنيسة عن تقليدها، ولم تساوم على إيمانها. ظلت تحتضن أولادها بالتعاليم الأرثوذكسية الأصيلة، وظلت منارة للإيمان القويم.
✥ الكنيسة: عروس المسيح في آلامها ✥
إن ما تعرّضت له الكنيسة القبطية الأرثوذكسية من اعتداءات لم يكن ليُضعفها، بل كان برهانًا على أصالتها. لقد حاولوا تدمير الحجارة، ولكنهم نسوا أن الكنيسة ليست بناءً بل جسدًا حيًا، رأسه هو المسيح، وأعضاؤه هم الشهداء والمعترفون والقديسون.
وفي كل مرة يسقط فيها شهيد، كانت الكنيسة ترفع عينيها إلى السماء، وتقول مع بولس الرسول:
"من سيفصلنا عن محبة المسيح؟ أشدة أم ضيق؟ أم اضطهاد؟ ... نحن في هذه جميعها يعظم انتصارنا بالذي أحبنا" (رو 8: 35-37).
✥ الكنيسة القبطية: باقية وقوية ✥
رغم الحروب، والحرائق، والانفجارات، لم تنكسر الكنيسة. بل ازداد عدد شعبها، وامتلأت الأديرة بالدعوات، وكثُرت النهضات الروحية، وانتشرت محبة المسيح في قلب كل قبطى.
إنها كنيسة الشهداء، التي لا تسقط، بل تُزهر بالدم.
إنها كنيسة الآباء، التي لا تساوم، بل تُعلي الحق.
إنها كنيسة المسيح، التي قال عنها:
"على هذه الصخرة أبني كنيستي، وأبواب الجحيم لن تقوى عليها" (مت 16: 18)
مينا جورج إيبوذياكون مارتيروس

تعليقات
إرسال تعليق