نشيد الأنشاد.... رحلة في أعماق الحب الإلهي من الفكر اليهودي إلى التصوف الإسلامي.
نشيد الأنشاد.... رحلة في أعماق الحب الإلهي من الفكر اليهودي إلى التصوف الإسلامي.
"من الغريب أن يُتهم بالدنس سفرٌ أجمع عليه الأنبياء والقديسون والعلماء عبر آلاف السنين، ولم يجد فيه 'إشكالاً' إلا القراءات المعاصرة التي انفصلت عن روح الشرق ولغة الشعر القديم. إن الهجوم على 'نشيد الأنشاد' بذريعة 'الإباحية' هو مغالطة تاريخية وأدبية كبرى؛ فهو كمن يقرأ لغة الإشارة بعينٍ مغمضة. في السطور التالية، نضع النقاط على الحروف، لنرد على الشبهات لا بالدفاع العاطفي، بل بالحقائق التاريخية (قانونية السفر)، وبالمنهج المقارن الذي يثبت أن لغة 'العشق الإلهي' هي اللغة المشتركة لكل من تذوق حب الله، من أحبار اليهود إلى آباء الكنيسة وصولاً إلى كبار المتصوفة."
اولا: اكتشاف المغالطات والرد علي الاقتباسات التي في الصورة المرفقة
1. الرد علي "النشيد الإباحي"
هذا الوصف هو أبعد ما يكون عن الحقيقة. كلمة "إباحية" تعني الترويج للرذيلة أو إثارة الغرائز خارج إطار طاهر. بينما سفر نشيد الأنشاد في الكتاب المقدس يعلي من شأن الحب الطاهر بين الرجل والمرأة في إطار الزواج الذي خلقه الله، لغة السفر هي لغة شعرية شرقية قديمة، استخدمت لتصوير "علاقة النفس بالله" أو "علاقة الكنيسة بالمسيح".السفر لا يحتوي على لفظ واحد خادش للحياء، بل أوصاف جمالية للطبيعة والجمال البشري كخلقة الله.
2. الرد علي "دخل بالصدفة" (قانونية السفر)
الادعاء بأن السفر دخل الكتاب المقدس "عن طريق المصادفة" هو جهل تاريخي، سفر النشيد كان جزءاً أصيلاً من "الكتوبيم" (الكتب) في العهد القديم لدى اليهود قبل الميلاد بقرون. والكنيسة منذ نشأتها، وبإرشاد الروح القدس، أقرت بقداسة السفر وقانونيته، ولم يُشكك فيه آباء الكنيسة الأوائل (مثلا العلامة أوريجانوس والقديس غريغوريوس النيصي) بل كتبوا فيه أعمق التفاسير الروحية.
3. الرد علي "التفسير الطبيعي" مقابل "التفسير الروحي"
النص في الصورة يستعرض "التفسير الطبيعي" كواحد من الآراء، لكن الرد المسيحي يوضح الآتي
حتى لو اعتُبر السفر يتحدث عن حب بشري، فالمسيحية ترى أن "الله محبة"، والحب البشري الطاهر هو صورة مصغرة للمحبة الإلهية، التفسير الرمزي (الآبائي) هو المنهج المعتمد، حيث يمثل "العريس" (الله/المسيح) و"العروس" (النفس البشرية/الكنيسة). هذا المنهج هو الذي يكشف عمق السفر، ولهذا يسمى "قدس أقداس" الكتاب المقدس.
4. الرد على فكرة "مؤلف دنيوي"
السفر يُنسب للملك سليمان، وهو كاتب موحى له من الله. الادعاء بأنه مجرد "أناشيد شعبية" هو رأي نقدي حديث لا يستند إلى التقليد الكنسي أو الإيمان بالوحي الإلهي. الكتاب المقدس ليس مجرد تجميع عشوائي، بل هو وحدة واحدة يكمل بعضها بعضاً.
ثانيا: أقوال علماء اليهود (أهل الاختصاص الأصليين)
اليهود هم "مستودع كلمة الله" في العهد القديم، وكانوا يقدسون هذا السفر تقديساً فائقاً
الربي عقيبا (القرن الثاني الميلادي).
قال قولته الشهيرة "إن العالم كله لا يساوي اليوم الذي أُعطي فيه نشيد الأنشاد لإسرائيل، لأن كل الكتب مقدسة، أما نشيد الأنشاد فهو قدس أقداس الكتب".
التقليد اليهودي.
كان اليهود يمنعون قراءة هذا السفر لمن هم دون سن الثلاثين، ليس لأنه "إباحي"، بل لأن معانيه الروحية والرمزية عميقة جداً وتحتاج لنضج روحي لفهم محبة الله لشعبه من خلالها.
تارغوم النشيد.
يفسر التقليد اليهودي القديم السفر بالكامل كقصة تاريخية للعلاقة بين الله وشعب إسرائيل، منذ خروجهم من مصر وحتى مجيء المسيح.
ثالثا: أقوال الآباء الأوائل في المسيحية
الكنيسة لم ترَ في السفر جسداً، بل رأت فيه اتحاد النفس بخالقها
العلامة أوريجانوس (القرن الثالث).
وهو من أعظم مفسري السفر، قال "هذا الكتاب يجب أن يُقرأ بروح ميتة عن الشهوات الجسدية، فالعريس هو المسيح والعروس هي الكنيسة أو النفس البشرية".
القديس غريغوريوس النيصي.
كتب 15 عظة في تفسير السفر، معتبراً إياه "دليلاً للصعود الروحي"، حيث تتحول لغة الجسد إلى لغة روحية تصف اشتياق الإنسان للاتحاد بالله.
القديس جيروم.
أكد أن السفر هو ترنيمة حب روحية تعبر عن بتولية النفس وطهارتها في عشق الله.
رابعاً: شهادة الأعداء (النقاد والباحثين)
حتى النقاد الذين حاولوا تجريد السفر من صبغته الدينية، شهدوا له من جوانب أخرى
إرنست رينان (الفيلسوف الفرنسي الناقد).
رغم نقده الراديكالي، إلا أنه وصف السفر بأنه "تحفة فنية لا مثيل لها في الأدب العالمي" من حيث الرقي في التعبير عن العاطفة الإنسانية النبيلة.
علماء الآثار.
أكدوا أن لغة السفر وأوصافه تتطابق تماماً مع جغرافية وبيئة فلسطين في القرن العاشر قبل الميلاد (عصر سليمان)، مما يدحض فكرة أنه "تأليف متأخر" أو دخل بالصدفة.
خامسا: المتماثلات في التراث الإسلامي (المقارنة الفكرية)
من المغالطة نقد لغة "العشق الإلهي" في المسيحية بينما هي موجودة بقوة في التراث الإسلامي، وخاصة عند الصوفية
لغة العشق الإلهي.
استخدم كبار المتصوفة مثل ابن عربي وجلال الدين الرومي ورابعة العدوية لغة الغزل والمحبوب والخميرة والوصل لوصف علاقتهم بالله.
تفسير "ترجمان الأشواق".
عندما نُقد ابن عربي في استخدامه لغة غزلية في قصائده، كتب شرحاً يوضح أن كل امرأة أو غزل في شعره إنما هو إشارة إلى "تجليات إلهية" وأنوار ربانية، تماماً كما يفعل المسيحيون في تفسير "نشيد الأنشاد".
قصيدة "البردة".
تبدأ بأبيات غزلية وذكر "سلمى" و"كاظمة"، لكنها في الحقيقة في مدح الرسول، مما يوضح أن "القالب الشعري الغزلي" هو وسيلة بلاغية معروفة في الشرق للتعبير عن أسمى المشاعر الروحية.
ما تراه في الصورة هو "عرض لآراء المشككين أو النقاد" وليس "إيماناً مسيحياً". الرد المسيحي ببساطة هو أن سفر النشيد هو أيقونة مكتوبة للحب الإلهي، يُقرأ بروح الصلاة وليس بروح الشهوة، ومن يقرأه بقلب طاهر يرى فيه محبة الله العجيبة للإنسان.
إن محاولة وصم السفر بالإباحية هي "قراءة سطحية بدائية" تغفل طبيعة الأدب العبري القديم، وتتجاهل إجماع علماء اللاهوت والآباء عبر 2000 عام. السفر هو "أيقونة حب"، ومن يرى فيه دنسًا، فالدنس في عينه لا في النص، تماماً كما يرى الناقد الجاهل في قصائد الحب الإلهي الصوفية مجرد كلمات بشرية بينما هي في حقيقتها مناجاة للذات الإلهية.
"كُلُّ شَيْءٍ طَاهِرٌ لِلطَّاهِرِينَ، وَأَمَّا لِلنَّجِسِينَ وَغَيْرِ الْمُؤْمِنِينَ فَلَيْسَ شَيْءٌ طَاهِرًا، بَلْ قَدْ تَنَجَّسَ ذِهْنُهُمْ أَيْضًا وَضَمِيرُهُمْ." (تي 1: 15).



تعليقات
إرسال تعليق