"حفظ النصوص بين يقظة الكنيسة وتواتر الأمة" شهادة القديس ديونيسيوس أسقف كورنثوس في مواجهة القراءات المبتورة (دراسة مقارنة).... ردا علي الشيخ منقذ بن محمود السقار
"حفظ النصوص بين يقظة الكنيسة وتواتر الأمة"
شهادة القديس ديونيسيوس أسقف كورنثوس في مواجهة القراءات المبتورة (دراسة مقارنة).... ردا علي الشيخ منقذ بن محمود السقار
حينما يعجز الناقد عن إيجاد دليل حقيقي داخل المتن، يلجأ إلى استراتيجية "القص واللصق" واجتزاء النصوص التاريخية من سياقها لإيهام القارئ العادي بوجود اعتراف بالتحريف.
لكن القراءة العلمية الفاحصة لشهادة الأسقف ديونيسيوس الكورنثي (القرن الثاني الميلادي) تكشف أن هذه الشهادة ليست "اعترافاً بضياع النص"، بل هي وثيقة إدانة تاريخية لمحاولات الهراطقة المعزولين، ودليل قاطع على يقظة الكنيسة المبكرة وسلطة الكتاب المقدس.
نعرض النص الذي اقتبسة المعترض للقديس ديونيسيوس الكورنثي 
يوسابيوس القيصري، "تاريخ الكنيسة"، الكتاب الرابع، الفصل 23، الفقرة 12.
12. The same writer also speaks as follows concerning his own epistles, alleging that they had been mutilated: As the brethren desired me to write epistles, I wrote. And these epistles the apostles of the devil have filled with tares, cutting out some things and adding others. For them a woe is reserved. It is, therefore, not to be wondered at if some have attempted to adulterate the Lord's writings also, since they have formed designs even against writings which are of less account.
Eusebius - Church History: Book IV, Chapter 23
التعريف بمصدر النص المقتبس 
المؤلف: العالِم الألماني البروفيسور جوهانس كواستن (Johannes Quasten). المجلد الأول، صفحة 313.
الجهة المسؤولة عن الترجمة والنشر معهد الدراسات الآبائية (أو مطبعة أنبا مقار)، وترجمه عن الأصل الإنجليزي مجموعة من اللاهوتيين والباحثين والمترجمين تحت إشراف وتدقيق كنسي وأكاديمي.
سياق النص المقتبس 
بنعمة الله، نستهل ردنا بشرح السياق التاريخي للنص أولاً، متبوعاً بتوضيح القصد الحقيقي والغاية اللاهوتية التي رمى إليها الكاتب. ومن خلال هذا البيان، سنكشف عوار الإسقاط والتعليق غير الأمين الذي وقع فيه المعترض، متعمداً قراءة النص خارج سياقه لخدمة فكرة مسبقة تفتقر إلى الأمانة العلمية والمنهجية.
أولاً
السياق التاريخي واللغوي لشهادة الاسقف ديونيسيوس، للنص الوارد في كتاب "تاريخ الكنيسة" للمؤرخ يوسابيوس القيصري ينقل عتاب وشكوى ديونيسيوس، والظرف التاريخي، كان ديونيسيوس أسقفاً لكورنثوس، ويرسل رسائل رعوية وإرشادية لكنائس أخرى (مثل روما ونيقوميديا). فاكتشف أن بعض الهراطقة (أصحاب البدع) يأخذون رسائله الشخصية، ويحذفون منها مقاطع أو يضيفون إليها عبارات، ليوهموا الناس بأن الأسقف يتبنى بدعتهم.
وقتها غضب الاسقف ديونيسيوس من تزوير رسائله، قال عبارته الشهيرة استنكاراً "إذا كان هؤلاء الأشرار لم تورعهم هيبة (كتب الرب) المقدسة فجرأوا على العبث بها وتعديلها لتوافق هواهم، فهل غريبٌ عليهم أن يتآمروا على كتاباتي ورسائلي أنا، التي هي أقل شأناً بكثير؟!".
العبارة هنا ليست تقريراً لواقع ضياع الكتاب، بل هي توبيخ واستنكار لجرأة الهراطقة.
ثانياً
ما المقصود بـ "تحريف كتب الرب" في ذلك العصر؟
في القرن الثاني الميلادي، لم تكن كلمة "تحريف" تعني أن النسخ الأصلية للكنيسة قد فُقدت أو تغيّرت، بل كانت تشير بوضوح إلى ممارسات طوائف هرطوقية معزولة عن الكنيسة الجامعة، والسطر الأخير في الاقتباس الذي وضعة الشيخ يوضح ذلك تماماً (حين أشار إلى تلاميذ ماركيون ومونتانوس) الهراطقة..... مرفق التوضيح في نفس الصوره التي استخدمها الشيخ المعترض
ماركيون (ولد حوالي 85 م) كان صاحب بدعة شهيرة؛ إذ كان يرفض العهد القديم بأكمله، ولم يعجبْه من العهد الجديد سوى إنجيل لوقا وبعض رسائل بولس. ولكي يمرر عقيدته، قام بقص وحذف كل الآيات التي لا تعجبه من إنجيل لوقا ورسائل بولس وصنع لنفسه "كتاباً خاصاً بطائفته".
هذا الفعل (القص واللصق الذاتي) هو ما سمّاه ديونيسيوس والآباء "تحريفاً". فالتحريف هنا محصور في "نسخة ماركيون الخاصة"، وليس في نسخ الكنيسة العامة.
القديس إيرينيئوس أسقف ليون (قرابة 180م)، "ضد الهرطقات"، الكتاب الأول، الفصل 27
Besides this, he mutilates the Gospel which is according to Luke,...2 removing all that is written respecting the generation of the Lord, and setting aside a great deal of the teaching of the Lord, in which the Lord is recorded as most dearly confessing that the Maker of this universe is His Father. He likewise persuaded his disciples that he himself was more worthy of credit than are those apostles who have handed down the Gospel to us, furnishing them not with the Gospel, but merely a fragment of it. In like manner, too, he dismembered the Epistles of Paul, removing all that is said by the apostle respecting that God who made the world, to the effect that He is the Father of our Lord Jesus Christ, and also those passages from the prophetical writings which the apostle quotes, in order to teach us that they announced beforehand the coming of the Lord.
(Irenaeus, Adversus Haereses, I. 27. 2-4)
وكذلك: Tertullian, Adversus Marcionem, IV. 2-5
الهراطقة لم يملكوا سلطة على خطوط نسخ المخطوطات في الكنائس المنتشرة في أورشليم، روما، الإسكندرية، وأنطاكية.
كان تلاعبهم مكشوفاً ومحاصراً في بؤرهم الصغيرة، والعبارة تثبت أن الكنيسة كانت ترصد هذا التلاعب وتحاكمة فوراً.
One Lord God does she acknowledge, the Creator of the universe, and Christ Jesus (born) of the Virgin Mary, the Son of God the Creator; and the Resurrection of the flesh; the law and the prophets she unites in one volume with the writings of evangelists and apostles, from which she drinks in her faith. This she seals with the water (of baptism), arrays with the Holy Ghost, feeds with the Eucharist, cheers with martyrdom, and against such a discipline thus (maintained) she admits no gainsayer.
العلامة تيرتليان (قرابة 200م)، "الاحتجاج ضد الهراطقة"، الفصل 36.
(Tertullian, De Praescriptione Haereticorum, 36)
هذا يؤكد ويثبت قانونية الأسفار مبكراً جداً لأن النص المقتبس يثبت أنه في القرن الثاني الميلادي، وكان هناك مصطلح مستقر ومقدس اسمه
"كتب الرب"، وهي أسفار محددة لها سلطة إلهية عليا تفصلها فصلاً تاماً عن أي كتابات بشرية أخرى كرسائل الأساقفة.
إن محاولة استخدام كلام ديونيسيوس لإثبات تحريف الكتاب المقدس هي محاولة ساقطة علمياً وتاريخياً, لأن الشاكي والمشتكى عليه كلاهما يثبتان أصالة النص
الشاكي (ديونيسيوس)
يحتج بـ "كتب الرب" كمرجعية أصلية ثابتة ومعصومة مستنكراً المساس بها.
المشتكى عليه (الهراطقة مثل ماركيون)
لو كان النص الأصلي غير معروف أو كان متغيراً في الكنائس، لما احتاج ماركيون أصلاً إلى عناء حذف آيات وإضافة أخرى ليصنع نسخته الخاصة؛ إذ إن محاولة التزوير في حد ذاتها هي اعتراف صارخ بوجود "نص أصلي مستقر" يحاول الهراطقة التملص من سلطته.
وبناءً عليه، تظل المخطوطات التاريخية المتواترة، واقتباسات الآباء الشاملة، شاهدةً على أن نص "كتب الرب" انتقل عبر القرون محروساً بيقظة الكنيسة، بينما فنيت نسخ الهراطقة المحرَّفة ولم يبقَ منها إلا ذكرها في كتب التاريخ كشاهد على الفشل.
ما فعله الهراطقة برسائل الاسقف ديونيسيوس وبـ "كتب الرب" ليوافق هواهم، هو عينُه ما فعله الوضّاعون والزنادقة وأصحاب الأهواء في التاريخ الإسلامي، إذ حاولوا تزوير أحاديث ونسبتها إلى الرسول محمد، أو تحريف كلام الصحابة لتبرير بدعهم وسياساتهم علي حد قول الشراح المسلمين
اسم الكتاب: صحيح مسلم (المجلد الأول - المقدمة).
مقدمة صحيح مسلم
اسم الباب: باب بَيَانِ أَنَّ الإِسْنَادَ مِنَ الدِّينِ، وَأَنَّ الرِّوَايَةَ لاَ تَكُونُ إِلاَّ عَنِ الثِّقَاتِ، وَأَنَّ جَرْحَ الرُّوَاةِ بِمَا هُوَ فِيهِمْ جَائِزٌ بَلْ وَاجِبٌ.
رقم الحديث/الأثر: يقع هذا الأثر تحت رقم (27) في تبويب وترقيم محمد فؤاد عبد الباقي المشهور لـ "صحيح مسلم".
في الفكر الإسلامي، يُجمع العلماء على أن "القرآن الكريم" محفوظ بحفظ الله في الصدور والسطور عبر التواتر الإجماعي للأمة. لكن، هل منع هذا الحفظ العام من وجود محاولات فردية معزولة للتحريف؟
وقوله (الفيل ما الفيل، وما أدراك ما الفيل، له ذنب وبيل، وخرطوم طويل). . .
وقال الجاحظ في (الحيوان) عند القول في الضفدع ولا أدري ما هيج مسيلمة على ذكرها، ولم ساء رأيه فيها حتى جعل بزعمه فيها فيما نزل عليه من قرآنه: يا ضفدع بنت ضفدعين، نقي ما تنقين. نصفك في الماء ونصفك في الطين، لا الماء تكدرين، ولا الشارب تمنعين. . . وادعى أنها وحي.
كتاب إعجاز القرآن والبلاغة النبوية للرافعي
[مصطفى صادق الرافعي] صفحة 122
https://shamela.ws/book/8506/103
كتاب "الفرقان الحق" (The True Furqan) هو محاولة كاذبة مضللة صدرت عام 1999 وتهدف لتقليد القرآن الكريم، حيث كُتب بأسلوب يحاكي الآيات والسور، واستُخدمت فيه لغة عربية. يُمثل هذا الكتاب محاولة بائسة لصناعة "قرآن مزيف" للطعن في الإسلام، ولكنه قوبل بفشل ذريع نظراً لركاكة لغته وضعف سبكه.
المصدر 
أبو الحسن الأشعري، "مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين"، جزء 1، ص 120 (حول مقالات الروافض والغلاة في القرآن).
https://shamela.ws/book/4137/41
وايضا ابن حزم الأندلسي، "الفصل في الملل والأهواء والنحل"، المجلد الرابع.
احتجاج ديونيسيوس الكورنثي حين قال (إن كانوا قد تجرأوا على كتب الرب، فمن باب أولى يتآمرون على رسائلي)، هو تطبيق لـ "قياس الأولى" أو "مفهوم الموافقة" في أصول الفقه الإسلامي. حيث يقول الإمام السيوطي وعلماء الحديث في كتب "مصطلح الحديث" ما معناه إذا كان الكذابون والزنادقة قد تجرأوا على الكذب على مقام رسول الله (وهو المعصوم صاحب الهيبة)، فمن باب أولى وأهون عليهم أن يكذبوا على الصحابة أو التابعين أو علماء الأمة.
جلال الدين السيوطي، "تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي"، كتاب نوع معرفة الموضوع (الحديث المكذوب)، حيث فصّل في جرأة الزنادقة على مقام النبوة كأولى بالمنع والرصد من الجرأة على من دونهم.
إذا طبّقنا نفس "المنطق المبتور" الذي استخدمه صاحب المنشور على التراث الإسلامي، فستكون النتيجة كارثية؛ إذ سيعني وجود "الأحاديث الموضوعة" ومحاولات "الزنادقة" إدخال نصوص غريبة في الدين، اعترافًا رسميًا بأن الدين الإسلامي قد تحرّف وضاع وهذا مالا يرضي به صاحب المنشور.
ولكن الحقيقة العلمية التي يدركها المسلم والمسيحي على حد سواء هي أن محاولات التزوير الفاشلة التي يرصدها التاريخ ويفضحها العلماء، هي أكبر دليل على أصالة النص الحقيقي المحفوظ، وليست دليلًا على ضياعه. ونحن إذ نورد هذه المقارنة، لا نبتغي بها هجوماً أو سجالاً، بل نهدف إلى إرساء أرضية مشتركة وتقارب معرفي يوضح كيف أن التراثين المسيحي والإسلامي واجها تحديات متشابهة من أصحاب الأهواء، وكيف انتصرت الأمانة العلمية وقواعد النقد الصارمة في الحفاظ على جوهر النصوص الأصيلة في كليهما.»
مينا جورج "إيبوذياكون مارتيروس"













تعليقات
إرسال تعليق