"سر التجسد بين وحدة الأقنوم وتنزيه الطبيعة" قراءة أرثوذكسية في مغالطة تألّم اللاهوت


 "سر التجسد بين وحدة الأقنوم وتنزيه الطبيعة"

قراءة أرثوذكسية في مغالطة تألّم اللاهوت
"قبل الشروع في شرح مفهوم الاقتباسات الواردة في الصور المرفقة، وجب التنويه لاهوتياً بأن العبارات التي تنسب 'الألم' أو 'البذل' للكلمة أو للرب، لا يجب بأي حال من الأحوال أن تُفهم خارج سياق (تبادل الخواص - Communicatio Idiomatum) الذي"صيغ من الآباء" في مجمع أفسس وهو الإيمان الذي استلمه الآباء من الرسل. فالمقصود بحديث هؤلاء الكتاب هو 'انتساب' الفعل للأقنوم الواحد لضمان وحدة الفداء، وليس إقراراً بحدوث ألم أو استحالة في 'جوهر اللاهوت' المنزه عن الانفعال والتغير. إننا نضع هذه النصوص في إطارها الصحيح؛ حيث يُنسب الألم للاهوت من جهة 'الملكية' (أي أنه جسد الله الكلمة الخاص)، لا من جهة 'الطبيعة' (أي أن اللاهوت صار موجوعاً). وبناءً على هذا المبدأ، يأتي مقالنا ليفصل بين مغالطة 'تألم الجوهر' وحقيقة 'قبول الألم بالجسد'، صوناً لقدسية الذات الإلهية من أي تصورات مادية بشرية."
تقوم العقيدة الأرثوذكسية المستقيمة على إيمان راسخ بـ "الطبيعة الواحدة المتجسدة لله الكلمة"
(μία φύσις τοῦ Θεοῦ Λόγου σεσαρκωμένη)
وهو الاتحاد الذي نؤمن فيه أنه بغير اختلاط ولا امتزاج ولا تغيير. غير أن البعض، في حماسهم لإثبات قوة الاتحاد، يقعون في فخ لغوي ولاهوتي خطير احيانا بدون توضيح بادعائهم أن "اللاهوت تألم"، متغافلين عن الفرق الجوهري بين "نسبة الألم للأقنوم" وبين "تغيير طبيعة اللاهوت" وهذا مايستغله إبليس وأبنائه في بلبلة الأفكار والطعن في الآباء ولكن نحن هنا بصدد توضيح الإيمان المسلم مرة للقديسين، بعيداً عن التفسيرات التي يتخيلها أو يدعيها اصحاب العقول المريضة.

أولاً: لاهوت "النسبة" لا لاهوت "الاستحالة"
إن الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، في اتباعها لمنهج مدرسة الإسكندرية، تؤكد أن الفاعل في الصليب هو "أقنوم الكلمة المتجسد". وعندما نقول "الله تألم"، فنحن نستخدم لغة تبادل الخواص؛ أي أننا ننسب آلام الجسد المحدود إلى الإله غير المحدود المتحد به، لكي نؤكد أن الفداء فعل إلهي.
التألم هو "خاصية بشرية" قَبِلها كلمة الله في جسده الخاص، لكن اللاهوت في جوهره (Essence) يظل منزهاً عن الوجع، لأن الوجع انفعال وضَعف، واللاهوت كمالٌ مطلق لا يعتريه ضَعف.

ثانياً: قاعدة "تألم بغير ألم" (قاعدة الآباء الذهبية)
علمنا الآباء الأوائل في مجمع أفسس وما تلاه، أن السيد المسيح "تألم بغير ألم"؛ وهي عبارة تبدو متناقضة لكنها قمة الدقة اللاهوتية
تألم: أي أن الآلام كانت حقيقية وواقعية وليست خيالاً، وقد مسّت جسده المتحد باللاهوت.
بغير ألم: أي أن الطبيعة الإلهية، بطبيعتها البسيطة غير المركبة، لم تصر "موجوعة" أو "متأثرة" بمسامير الصليب.
القول بأن "اللاهوت يشعر بما يشعر به الناسوت فبالتالي تألم" هو خلط ينسف مفهوم "عدم التغيير" الإلهي، ويحول الخالق إلى كائن خاضع للمؤثرات الخارجية كالمخلوق تماماً.

ثالثاً: مثال النار والحديد (البرهان الكنسي التقليدي)
تستخدم الكنيسة القبطية دائماً مثال "الحديد المحمى بالنار" لتوضيح الاتحاد، عندما يطرق الحداد المحمى بالنار، يقع الطرق (الألم) على الحديد وحده، بينما النار متحدة بالحديد في كل جزء منه، لكنها لا تُطرق ولا تتألم بالطرق.كذلك اللاهوت، كان حاضراً في الصليب، متحداً بالجسد في كل لحظة (حتى عند الموت)، لكن المسامير اخترقت اللحم ولم تخترق جوهر اللاهوت. فالنار (اللاهوت) تعطي للحديد (الناسوت) قوة، لكنها لا تشاركه في "انفعال" الطرق.
إن القول بتألم اللاهوت "جوهرياً" هو "هرطقة" مقنعة؛ فإذا كان اللاهوت يتألم كالبشر، فقد صار إلهاً "منفعلاً" ومحتاجاً، وهذا يسلب الصليب قوته. إن عظمة الصليب تكمن في أن "غير المتألم بذاته، قَبِل الألم في جسده الخاص عنا"، لكي يبتلع الموت والوجع بلاهوته المحيي.
إن كنيستنا الأرثوذكسية تعلن بوضوح في قداساتها وصلواتها "تألم بالجسد وهو غير متألم بلاهوته". فمن فصل بين الجسد والكلمة فقد ضل، ومن جعل اللاهوت عرضة للألم والوجع فقد جدّف على كمال الطبيعة الإلهية.

"الَّتِي لَمْ يَعْلَمْهَا أَحَدٌ مِنْ عُظَمَاءِ هَذَا الدَّهْرِ، لأَنْ لَوْ عَرَفُوا لَمَا صَلَبُوا رَبَّ الْمَجْدِ." (1 كو 2: 😎.
مينا جورج "إيبوذياكون مارتيروس"















تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الرد اللاهوتي والتاريخي والآبائي على تشكيك يوسف رياض في القداس الإلهي

هروب الإرهابي المدعو الشيخ ابو اسلام عبدالله من استكمال الحوار بالبلوك من الصفحة الشخصية

مقارنة الأديان بحثٌ عن الحقيقة.. لا عرضٌ مسرحي!