وحدة الجوهر بين الأب والابن في الإيمان المسيحي " نورٌ من نور"


 نورٌ من نور

🔥
وحدة الجوهر بين الأب والابن في الإيمان المسيحي
في تاريخ الفكر اللاهوتي، لم تكن الكلمات مجرد أدوات للتعبير، بل كانت حصوناً للدفاع عن الحقائق الأزلية.
ومن بين أعظم من صاغوا هذه الحقائق، يأتي القديس أثناسيوس الرسولي، الذي لم يكتفِ بشرح العقيدة، بل رسمها بجمالية تجمع بين العقل والقلب.
يضعنا القديس أثناسيوس أمام حقيقة التوحيد المسيحي بعبقرية لغوية، حيث يقول:
"لأنه إذا كنا نعترف بإله واحد وحيد هو الآب، ونؤمن أيضاً أن الابن هو كلمته وحكمته، فإننا لا نقول بإلهين... بل بحسب الجوهر وبالحقيقة، فإن الآب والابن هما واحد."
المرجع
"ضد الآريوسيين" (Orationes contra Arianos)، وتحديداً في المقالة الثالثة، الفقرة 6.
Patrologia Graeca (PG 26, 332-333).
النص باليونانية (Original Greek)
«...εἰ γὰρ μίαν καὶ μόνην θεότητα τοῦ Πατρὸς γινώσκομεν, πιστεύομεν δὲ καὶ τὸν Υἱὸν λόγον αὐτοῦ καὶ σοφίαν εἶναι, οὐ δύο θεοὺς λέγομεν... ἀλλὰ κατὰ τὴν οὐσίαν καὶ τὴν ἀλήθειαν εἷς ἐστιν ὁ Πατὴρ καὶ ὁ Υἱός.»
القديس أثناسيوس هنا يربط بين وحدانية الآب وكيان الابن كـ "كلمة" (Logos) وحكمة، موضحاً أن الكلمة لا ينفصل عن مصدره، وبالتالي لا يشكل إلهاً ثانياً مستقلاً.
يوضح القديس أثناسيوس أن العلاقة بين الآب والابن ليست مجرد "اتفاق في الرأي" أو "تماثل في التعليم"، وكأننا أمام معلمين يشتركان في ذات المنهج.
بل هي وحدة كيانية، وحدة نابعة من أصل الوجود.
فالابن ليس خارجاً عن الذات الإلهية، بل هو "الكلمة" التي بها خُلق كل شيء، و"الحكمة" التي تُدبر كل شيء.
ولكي يُقرب المعنى للأذهان، يستخدم القديس أثناسيوس استعارة بصرية مذهلة، تظل عالقة في الوجدان "لأنه لا يوجد إلا هيئة واحدة للألوهة، كما أن النور هو واحد مع البهاء."
هذا التشبيه ليس مجرد زينة أدبية، بل هو شرح فلسفي دقيق؛ فلا يمكننا فصل النور عن شعاعه (البهاء)، فمتى وجد النور وجد بهاؤه، وهما في الجوهر شيء واحد رغم تمايزهما الوظيفي هكذا هي الألوهة وحدة لا تقبل التجزئة، وتعدد لا يلغي التوحيد.
يظل كلمات "حامي الإيمان" نبراساً يضيء لنا كيف يمكن للإنسان أن يقترب من سر الألوهة، مستخدماً لغة تجمع بين صرامة اللاهوت وعذوبة التعبير، مؤكداً أن الإيمان ليس مجرد نصوص تُحفظ، بل هو إدراك للنور الذي يشرق من أصل الوجود.
"لأَنَّهُ كَمَا أَنَّ الآبَ يُقِيمُ الأَمْوَاتَ وَيُحْيِي، كَذلِكَ الابْنُ أَيْضًا يُحْيِي مَنْ يَشَاءُ." (يو 5: 21).
مينا جورج إيبوذياكون مارتيروس



تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الرد اللاهوتي والتاريخي والآبائي على تشكيك يوسف رياض في القداس الإلهي

هروب الإرهابي المدعو الشيخ ابو اسلام عبدالله من استكمال الحوار بالبلوك من الصفحة الشخصية

مقارنة الأديان بحثٌ عن الحقيقة.. لا عرضٌ مسرحي!