"منطق الحضانة وفخ القسمة الثنائية" رد لاهوتي ومقارن على سذاجة الطرح في قضية علم الساعة"
"منطق الحضانة وفخ القسمة الثنائية"
رد لاهوتي ومقارن على سذاجة الطرح في قضية علم الساعة"
واضح إن الأخت سندس قررت تحل أعقد قضايا اللاهوت اللي بقالها 2000 سنة (من وجهة نظرها هي طبعا ) ببوست فيسبوك وهي بتشرب شاي بالياسمين! المنطق اللي إنتي ماشية بيه ده اسمه منطق الحضانة؛ يعني لو الأب خَبى عن ولاده إنه جايب لهم هدايا في العيد وقالهم معرفش إيه اللي في الشنطة عشان يفاجئهم، يبقى الأب ده كذاب ومنافق ولازم يتسحب منه لقب الأبوة؟
يا ريت قبل ما نوزع ألقاب كذاب ومتخلف، نحاول نفرق بين الجهل وبين عدم الاختصاص بالإعلان.. ده لو كان فيه رغبة للفهم أصلاً مش مجرد رمي كلام وخلاص.
للاسف وكعادة المهرجين، صاحبة المنشور وقعت في فخ منطقي شهير يسمى "مغالطة القسمة الثنائية الزائفة" (False Dilemma)، وهي إنها حصرت الحقيقة في اختيارين بس (يا جاهل يا كذاب)، وتجاهلت الواقع الفعلي الذي يفسره اللاهوت المسيحي.
في العقيدة المسيحية، المسيح هو "الله الظاهر في الجسد". عندما قال "ولا الابن"، كان يتحدث بلسان بشريته الكاملة. هو قَبِل أن يحد علمه الإلهي إرادياً ليعيش تجربة الإنسان كاملة. فعدم المعرفة هنا ليس "جهلاً" في جوهره، بل هو "حجب" للمعلومة عن طبيعته البشرية في تلك اللحظة.
ايضا في اللغة اللاهوتية، كلمة "لا يعرف" قد تعني أحياناً "ليس من شأني أن أُعلن". مثل القاضي الذي يقول "لا أعرف الحكم" قبل جلسة النطق به؛ هو لا يجهله، لكنه ليس في مقام إعلانه الآن. المسيح أكد ده بوضوح لما قال لتلاميذه في (أعمال الرسل 1:7): "ليس لكم أن تعرفوا الأزمنة... التي جعلها الآب في سلطانه وحده".
الكذب هو تزييف الحقيقة بنية الخداع. لكن إخفاء موعد "الساعة" هو ضرورة تعليمية وتربوية ليبقى الإنسان مستعداً دائماً. المسيح لم يخدع أحداً، بل وضع حدوداً لما يجب أن يعرفه البشر وما يجب أن يظل في علم الغيب الإلهي (الآب).
للاسف الاخت بتحاول تطبق منطق "الحسابات الرقمية" على "طبيعة إلهية" متجاوزة للزمن والمادة، وده في حد ذاته عجز في التصور قبل ما يكون عجز في الرد.
وللمقارنة بهدف إيصال المعلومة والفهم لدى بعض المعترضين، نوضح ان هذا يفتح باباً مهماً لفهم "اللغة البيانية" في الكتب المقدسة، وكيف أن السياق الغرض منه أحياناً يكون الاختبار أو التقرير وليس طلب المعرفة الحقيقي.
في القرآن الكريم، نجد أسلوباً يُسمى "الاستفهام التقريري" أو نصوصاً توحي بظاهرها أن الله "سيعلم" شيئاً في المستقبل، بينما العقيدة الإسلامية تؤكد أن الله بكل شيء عليم قبل وقوعه.
نجد أمثلة مشابهة من حيث "الظاهر" الذي قد يُساء فهمه.
1. آيات "ليعلم الله" (علم الظهور vs علم الغيب)
هناك آيات كثيرة بصيغة "حتى نعلم" أو "ليعلم الله"، مثل:
* ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّىٰ نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ﴾ (محمد: 31).
* ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ﴾ (البقرة: 143).
الشخص "المتذاكي" (مثل صاحبة المنشور) قد تقول "هل الله لم يكن يعلم من سيجاهد ومن سينقلب؟ وإذا كان يعلم فلماذا يقول لِنعلم؟ هل يكذب؟" حاشا ..... ولكن المفسرون (مثل الطبري وابن كثير) قالوا إن "العلم" هنا هو "علم الظهور" أو "علم المشاهدة" الذي يترتب عليه الحساب. الله يعلم ما سيحدث، لكنه لا يحاسب العبد على علمه الأزلي، بل يحاسبه على "وقوع" الفعل من العبد في الواقع.
2. سؤال الله للملائكة أو الأنبياء عن أشياء يعلمها
* في قصة موسى: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَىٰ﴾ (طه: 17).
* في يوم القيامة سؤال عيسى: ﴿أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَٰهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ (المائدة: 116).
هنا نجد أن الله يعلم يقيناً ما في يد موسى، ويعلم يقيناً ما قاله عيسى ولكن السؤال هنا ليس للاستفهام (طلب معلومة مجهولة)، بل هو للإقرار أو للمؤانسة (في حالة موسى) أو لإقامة الحجة (في حالة عيسى). تماماً كما أخفى المسيح موعد الساعة؛ الهدف ليس الجهل، بل "التدبير" والهدف التربوي من إخفاء المعلومة أو طرح السؤال.
3. آية "الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفاً"
* ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا﴾ (الأنفال: 66).
الظاهر هنا قد يوحي بأن الله "علم الآن" بالضعف فخفف، لكن التفسير يقول إن الله علم "أزلاً" أن الضعف سيحصل في هذا التوقيت، وكلمة "عَلِم" هنا تعني "حكم بمقتضى علمه في هذا الوقت".
إذا طبقت "منطق الاخت سندس" (صاحبة المنشور) على هذه النصوص للاسف قد يأتي جاهلا يقول
بأن الله "جاهل" حاشا..... لأنه قال "حتى نعلم". أو ستضطر للقول بأنه "كاذب" لأنه سأل موسى عما في يده وهو يعرفه. وحاشا لله أن يكون هكذا.
لكن الحقيقة هي أن لغة الوحي ليست لغة "محاضر شرطة" تقريرية جامدة، بل هي لغة تربوية تراعي إدراك البشر وتضع الأمور في سياق الاختبار والتدبير الإلهي.
إذن وببساطة عدم الإفصاح عن المعلومة (أو صياغتها في شكل سؤال) لا يعني الجهل بها، بل يعني أن الحكمة تقتضي عدم إعلانها الآن.







تعليقات
إرسال تعليق