اشعياء 12:29.. هل هي نبؤة عن رسول الاسلام.... أزمة العمى الروحي في مواجهة ادعاءات النبوة دراسة سياقية وتفسيرية شاملة.


 اشعياء 12:29.. أزمة العمى الروحي في مواجهة ادعاءات النبوة

دراسة سياقية وتفسيرية شاملة.
النص الوارد في اشعياء 12:29 «او يدفع الكتاب لمن لا يعرف الكتابة ويقال له اقرأ هذا، فيقول لا اعرف الكتابة» يستخدم احيانا خارج سياقه ليقال انه نبوة عن رسول امّي، لكن القراءة العلمية الدقيقة للنص في سياقه، وفي لغته الاصلية، وعلى ضوء التفسير اليhودي والمسيحي الابائي تكشف بوضوح ان هذا الادعاء لا يقوم على اساس صحيح.
فالسياق المباشر للنص في اشعياء 9:29–14 يضعنا امام حالة دينونة روحية لشعب اsرائيل، حيث يقول«لان الرب قد سكب عليكم روح سبات، واغمض عيونكم» (اش 10:29)، ثم يوضح: «صارت لكم كل الرؤيا كالكتاب المختوم» (اش 11:29). هذا النص، بحسب كل الترجمات والتفاسير، لا يتحدث عن اعطاء وحي جديد، بل عن عدم قدرة الشعب على فهم الوحي الموجود بالفعل. والعدد 11 يكمل الصورة قبل 12 مباشرة، اذ يقول ان العارف بالقراءة لا يستطيع ان يقرأ لان السفر مختوم، بينما في العدد 12 الامي لا يقرأ لانه لا يعرف الكتابة. هذا التوازي النصي نفسه دليل قاطع ان الكلام عن حالتين تمثيليتين، لا عن شخص واحد
(راجع: The Hebrew Bible, Isaiah 29:9–12).
التحليل اللغوي العبري يؤكد ذلك، فلفظ «הַסֵּפֶר» (ha-sefer) يعني “السفر” المعروف، وليس كتابا جديدا، كما ان الفعل «וְנִתַּן» جاء في صيغة المبني للمجهول في سياق تصويري. ويمكن مراجعة ذلك في:
Brown-Driver-Briggs Hebrew Lexicon, entries: ספר (sefer), ידע (yada‘). قاموس براون‑درايفر‑بريغز وهو المرجع الذي تستخدمه لغويًا لدراسة الكلمات العبرية
Brown-Driver-Briggs Hebrew Lexicon, entries: ספר (sefer), ידע (yada‘). قاموس براون‑درايفر‑بريغز وهو المرجع الذي تستخدمه لغويًا لدراسة الكلمات العبrية

(راجع: The Hebrew Bible, Isaiah 29:9–12).
وعند الرجوع الى التفسير اليhودي، نجد اجماعا واضحا على هذا الفهم. ففي تفسير راشي على اشعياء 11:29–12 يشرح ان النص هو مثل عن الشعب الذي لا يفهم النبوة، فيقول ان الرؤيا صارت ككتاب مغلق امام الجميع بسبب خطاياهم.
(Rashi on Isaiah, ed. A. J. Rosenberg)،
وكذلك يعلق ابن عزرا في تفسيره بان الشعب لا يدرك كلام الله، سواء قرأه بنفسه او سمعه من غيره.
(Ibn Ezra Commentary on Isaiah 29)
كما ان ترجوم يوناثان(Targum Jonathan, Isaiah 29) يعيد صياغة النص ليبرز ان المشكلة في عدم الفهم، لا في اعطاء وحي جديد.
Targum Jonathan on Isaiah
هذا الاجماع اليhودي، وهو الاقرب للنص لغويا وتاريخيا، لا يقدم اي دعم لفكرة النبوة عن رسول انما عن جهل وعدم علم في الشعب من المتعلمين والجهله.
اما في التفسير المسيحي الابائي، فنجد نفس المعنى الروحي.
يوضح القديس يوحنا الذهبي الفم في عظاته ان الانسان قد يكون قارئا لكنه لا يفهم بسبب قساوة قلبه، مؤكدا ان الجهل الحقيقي هو جهل الروح.
(Homilies on the Prophets, PG 56)
ويشرح القديس كيرلس الكبير في تفسيره لسفر اشعياء ان النص يشير الى عمى الشعب الذي رفض النعمة، فاصبح غير قادر على فهم النبوات.
(Commentary on Isaiah, PG 70)
كما يضع القديس اغسطينوس مبدأ عاما في كتابه التعاليم المسيحية بان الكتاب المقدس يبقى مغلقا امام من لا يملك الاستنارة الالهية، وان الفهم عطية من الله لا مجرد معرفة بشرية.
De Doctrina Christiana” (Book III)
De Doctrina Christiana” (Book III)
https://www.intratext.com/IXT/ENG0137/_P2E.HTM
ومن جهة الدراسات الحديثة، يؤكد المفسرون نفس الاتجاه، فمثلا يوضح ان النص يستخدم صورة “السفر المختوم” ليعبر عن عجز الشعب عن فهم اعلان الله.
John N. Oswalt, The Book of Isaiah, Chapters 1–39 (NICOT), ص 536–538،
وكذلك يرى ان النص يتحدث عن حالة من العمى الروحي الجماعي، لا عن نبوة مستقبلية.
Brevard S. Childs, Isaiah (OTL), ص 214،
من خلال هذه الادلة المتكاملة السياق الكتابي، والتحليل اللغوي، والتفسير اليhودي، والتفسير الابائي، والدراسات الحديثة يتضح ان النص لا يحمل اي بعد نبوي عن شخص امّي يتلقى وحيّا، بل يقدم صورة لاهوتية عن انسان فقد القدرة على فهم كلام الله.
وعند مناقشة الادعاء بوجود نبوة عن رسول جديد في هذا النص، يتبين بوضوح انه لا يستند الى اي قراءة علمية للنص، لان شروط النبوة غير متوفرة فلا يوجد ذكر لشخص محدد، ولا اشارة زمنية مستقبلية، ولا علامة مميزة تدل عليه. بل على العكس، النص يقدم حالتين متوازيتين (متعلم وامي) ليؤكد ان العجز عام، وليس خاصا بفرد. كما ان كل التقاليد التفسيرية القديمة اليhودية والمسيحية لم تفهم النص قط بهذه الطريقة.
وبالتالي فان القول بان اشعياء 12:29 نبوة عن رسول جديد هو قراءة اسقاطية لاحقة، تتجاهل السياق، وتخالف اللغة، وتصطدم باجماع المفسرين عبر القرون. فالنص ليس اعلاانا عن نبي، بل ادانة لحالة عمى روحي، حيث يمتلك الانسان الكلمة الالهية لكنه يعجز عن فهمها، لان المشكلة لم تكن يوما في القراءة، بل في القلب الذي لا يريد ان يبصر.
"لينكات المراجع موجودة في التعليقات."
مينا جورج "إيبوذياكون مارتيروس"
















تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الرد اللاهوتي والتاريخي والآبائي على تشكيك يوسف رياض في القداس الإلهي

هروب الإرهابي المدعو الشيخ ابو اسلام عبدالله من استكمال الحوار بالبلوك من الصفحة الشخصية

مقارنة الأديان بحثٌ عن الحقيقة.. لا عرضٌ مسرحي!